محمد فاروق يكتب: "تكنولوجيا فى التدريس"

عمر سليم يكتب: الثورة.. نظرة أخرى السبت 09-03-2013 15:08 صورة أرشيفية

ثمة نموذج معرفى يعرف الثورة كمجموعة من الإجراءات والتطبيقات والممارسات يُسعى من خلالها إلى تغيير المجتمع تغييرا جذريا شاملا ونقله من حالة تطورية معينة إلى حالة تطورية أكثر تقدما أو إلى الحالة التطورية المثلى اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا، والوصول بالمجتمع إلى المرحلة المثالية الطوباوية.

ويمكن تعريف الثورة فى هذا الإطار على أنها فعل عنيف داخل التاريخ غايته النهائية الوصول إلى نهاية التاريخ عبر تحقيق النظام الاجتماعى الأمثل. تعد المنظومات الفكرية المتبنية لهذا النموذج ذلك المفهوم من الثورة كالمنهج أو السبيل الوحيد إلى الخروج من حالة الركود الاجتماعى، إلا أن ذلك يغفل أن النشاط الإنسانى ليس مكونا فقط من العناصر التى يمكن للثورة بمفهومها هذا أن تعمل على تغييرها، بل إنه يتكون من عناصر أكثر تداخلا وأعمق تركيبا تتطلب لتغييرها إدراكنا للثورة بمفهوم آخر .

إن الثورة ليست مجرد ذلك الفعل العنيف داخل التاريخ إنها - بالأساس - فعل عنيف لكنه "فعل جوانى" أى أنه يحدث بداخل الإنسان، فعلا يحطم فيه الإنسان كل الأوثان والأصنام التى تهيمن عليه محاولا إدراك تلك التى تحكمه بصورة لا عقلانية تماما ليسيطر عليها ويحطمها، فتترك الفرصة سانحة للإنسان ليدرك بفطرته المجبولة على ذلك السمت القويم الذى عليه أن يسلكه.. الثورة بالأساس هى تغيير فى عالم الأفكار وليس فقط تغيير نمط السلطة أو توجهها، فنهر الفساد الذى يصب فى المجتمع إنما منبعه عقول الناس وتصوراتها قبل أن يكون نمط السلطة القائمة وعلاقاتها.

لا محيص من الإقرار بأن للسلطة دورا ملحوظا فى إفساد التصورات وتغييب الوعى أو خلق (وعى متخيل) مناسب لها يوسع شبكة علاقاتها لتسيطر على البنية الاجتماعية برمتها.. عن طريق أدواتها المتمثلة فى الإعلام القادر على خلق شكل من الواقع يخالف للواقع ولكنه متوافق مع ما تريده السلطة للناس أن تعرفه. كما أن سلاحى التكرير والإلحاح اللذين تستخدمهما السلطة عن طريق الإعلام والتعليم شديدا الفعالية والتأثير فى عقول الناس، فيمكن إقناع الناس بوجود أشياء لا وجود لها على الإطلاق.. ويمكن خلق أعداء وهميين للسيطرة على الناس بتخويفهم من أولئك الأعداء الذين لا وجود لهم فى الحقيقة. وبهذا يستبطن الناس نمط السلطة فى نفوسهم فيهيمن على البنية الاجتماعية هيمنة كلية.

إذا فالثورة يجب أن تكون هدما لتلك البنية الفاسدة وإحلالا لبنية أخرى وليست مجرد تغييرات ظاهرية مثل استبدال الحكام بآخرين.

إن الثورة بمفهومها الأول لا يمكن لها أن تسقط نظاما اجتماعيا وتحل آخر مكانه، فالنُّظم الاجتماعية لا تسقط مثلما تسقط الحكومات والرؤساء والدساتير. إن النظم الاجتماعية لا تأفل بين عشية وضحاه، بل قد يستوجب ذلك فعلا طويلا وحراكا دائما تطرأ فيه التعديلات على البنى الفكرية المشكلة للجسد الاجتماعى حتى يتغير. أما الاعتقاد بأن الثورة - بمفهومها الأول - قادرة وحدها على إحلال نظام اجتماعى بآخر فهو اعتقاد جد خاطئ، حتى الثورة البلشفية فى روسيا 1917 لم تسقط النظام الاجتماعى.. فلا الرأسمالية أسقطت بثورة فى 1917 ولا الاشتراكية كما تصوراها كارل ماركس وفريدريك إنجلز حلت محلها.. وإنما يمكن القول إن ثمة تعديلا طرأ على النظام الاجتماعى جعله مختلفا إلى حد ما ولكنه لم يكن المنشود .. ولم يكن تغييرا جذريا فى البنية الاجتماعية بالمعنى المفهوم للكلمة.

إن الثورة - بتعريفها الثانى - هى القادرة على إبدال النظام الاجتماعى بنظام آخر عن طريق ما تحدثه من إعادة تشكيل للتصورات والأفكار. فالثورة باعتبارها تغييرا فى عالم الأفكار وليس فقط تغييرا لنمط السلطة أو لتوجهها هى التى تغير بنية النظام الاجتماعية لتحل محلها أخرى.

يقول أستاذنا (على عزت بيجوفيتش) إن المجتمع العاجز عن التدين هو بالتالى مجتمع عاجز عن الثورة. يمكننا ربط كون المجتمع متدينا بكونه خلوقا.. إذا فثمة علاقة طردية بين الأخلاق والثورة .. كمثال بسيط على ذلك يمكننا القول إن الإنسان الخلوق لا يمكنه السماح برؤية الظلم والفساد أمام عينيه ولا يحرك ساكنا؛ لأن ذلك مخالف لفطرته، بينما قد يرضى بذلك شخص لا يقيم للعامل الأخلاقى وزنا. فالمجتمع الذى يُغيب فيه العامل الأخلاقى أو يكون النموذج الأخلاقى المهيمن فيه هو نموذج (المنفعة) لا يمكنه التمرد على الفساد ودفع الظلم.

قد يقول أحدهم أو يعنى هذا أن الشخص غير الأخلاقى لا يثور.. ماذا لو خرج أحدهم من الحانة ليشارك فى الثورة؟

فى اللحظة التى يقرر فيها ذلك الشخص أن يجتث نفسه من حياة المجون ليلقى بنفسه فى صفوف الثورة فإنه يكون بالتأكيد قد أيقظ ضميره قبيلها..إذا فالثورة - فى ذاتها - عمل أخلاقى، ولكن هذا الشخص قد تضمر أخلاقه مجددا فيعود إلى ما كان عليه. فالإنسان لا يمكنه أن يكون مخلصا لثورة ما حتى النهاية إلا إذا كان ثوريا مخلصا قبلها..والمعنى بأن يكون ثوريا قبلها هو الثورة بمفهومها الثانى.

تترجم عملية الثورة الداخلية تلك نفسها إلى واقع إجرائى بعد أن تكون قد تمت بالكامل داخل الإنسان وأعادت صياغة رؤيته لذاته وللكون محررة إياها من رواسب التنشئة التى تنمى التبعية والخضوع ومن عوائق (الوعى الكاذب) وسدود العالم المادى. أى أن الثورة تترجم "برانيا" بعد أن يكتمل نمو جنينها "جوانيا".

إلا أن كلامنا لا يعنى أن المفهوم الأول للثورة هو فعل خاطئ أو مرفوض، ولا ينفى أهمية الثورة بهذا المفهوم فى دفع الظلم والجور وإسقاط الحكومات والدساتير الفاسدة. إلا أنه ينفى قدرتها المزعومة على تغيير الجسد الاجتماعى برمته وينفى قدرتها على تغيير الواقع تغييرا كليا لأن الواقع ليس فقط هو منظومة السلطة و شبكات علاقاتها. وإنما الثورة القادرة على إحداث هذا التغيير الكلى الشامل هى الثورة كتغيير فى عالم الأفكار ليس فقط لتغيير نمط السلطة أو لتوجهها. فكل ثورة بالمفهوم الأول وحده لا يعول عليها فى ذلك التغيير الحقيقى.