دعاء شريف تقدم طريقة بسيطة لرسم العيون

ليس هناك حل آخر لمحمود خالد عبدالجواد الثلاثاء 05-03-2013 11:49 أرشيفية

اختفت الشمس فى أحضان السماء ، واكتست الدنيا بردائها الأسود ، ليعود الظلام الدامس بزيارته اليومية لتلك المنطقة المحرومة من الكهرباء ...

فى منطقة عشوائية قد نعتبرها ميسورة الحال إذا وصفناها بـ"الفقيرة" ، فالفقر محطة تخطاها قطار تلك المنطقة منذ سنين ، يعيش الأستاذ (صابر) .. رجل فى ربيعه الواحد والأربعين ، فى غرفة صغيرة تعلو سطح إحدى العمارات ، مع والدته المريضة التى تخطت حاجز السبعين عقدا منذ أربعة أعوام ...

يقضى الأستاذ (صابر) ليلته ، راكنا ظهره إلى الحائط المشقوق ، بالضبط أسفل تلك البدلة التى كان يرتديها كل صباح ، للذهاب إلى عمله فى إحدى المصانع ، قبل أن يجد نفسه ضمن قافلة المعاش المبكر ...

رفع يده قليلا ، وبدأ يتحسس بدلته ، ثم وضع يده فى جيبها ، ليلتقط بعض الأوراق ، مزيحا بعض العناكب التى استشعر بها تجوب شعيرات ذراعه .. ثم فتحها ، ليطلق العنان لخياله لتذكر حياته مع زوجته وأطفاله ..

فهذا عقد الزواج الذى جمعه بالفتاة التى أحبها ، ورغم الخلاف الذى نشب بينه وبين أسرة زوجته ، نتيجة الفارق الاجتماعى الكبير .. إلا أنهما عاشا حياة مستقرة ، وأنجبا طفلين .. قبل أن يخرج من وظيفته خالى الوفاض ، ولما تدهور الحال بهما بمرور الأيام ، اتخذ قرارا بأن يطلقها .. لعلها تعيش حياة أفضل مع أطفالها فى كنف أسرتها ..

شعر (صابر) ببعض التعب ، فأرخى جسده على الأرضية ، واضعا رأسه على حقيبته السامسونيت ، التى تحمل الكثير من الأوراق ، ما بين بياناته.. وشهادته الجامعية من كلية الهندسة .. وأوراق طلب العلاج على نفقة الدولة ، والمتوقفة على إمضاء رجال الدولة .. من أجل أمه المريضة ..

فهى امرأة .. حكم عليها السن الكبيرة بأن تعانى من أمراض الكلى ، وحال الفقر بينها وبين العلاج ، لترقد فى الفراش ، تطلق تأوهات مستمرة ، فتتساقط معها دموع ابنها ، الذى عجز عن توفير علاج لها ، ليصير شفاء أمه هو الأمل الذى يعيش عليه ...

وفجأة .. أطلقت الأم تأوها عاليا اخترق صمت الغرفة ، تأوها لم يكن بهذا العلو من قبل .. هل اشتد الألم بها ؟ هل ازدادت الحال سوءً ؟ .. أسئلة دارت فى عقل (صابر) الذى هب مسرعا إلى أمه ، فانطلق إليها فى حذر ، يتحسس يمينه ويساره .. حتى اصطدمت قدمه بخشب السرير المتهالك ...

... وتحدث إليها فى هلع : - مالك يا أمى ...؟

فردت الأم متوجعة : - آآآآآآه .. وجع كبير يابنى ، اول مرة أحس بيه كده .. الحقنى يابنى بأى دوا .. آآآآآآآآآآآآه

أمسك (صابر) بشمعة صغيرة ، ووضع فى جيبه علبة صغيرة بها بضع عيدان ثقاب .. وخرج سريعا بين جيرانه ، يسأل هنا وهناك .. لعل أحدهم يملك دواء أو أعشاب يخفف بها من حدة الآلم الذى تعالت معه الصرخات باستمرار دون هوادة ..

وتمر الدقائق .. و(صابر) يجرى فى الشوارع ، وصراخ أمه يتعالى فى أذهانه .. ولم تنفعه محاولاته مع جيرانه ، فأحد منهم لا يملك مالا ، أو دواء .. فحاول الاتصال بالإسعاف ، فور وصوله إلى أقرب كشك سجائر مفتوح، لينفق آخر جنيه من جيبه .. ووقف ينتظر وصولهم ، ليدلهم على طريق والدته ...

ولكن ... يبدو أن (صابر) قد انتابه شعور بانعدام الفائدة من وقوفه فى الشارع لما يقارب الساعة ونصف الساعة ، ولا أمل فى سماع سارينة الإسعاف – ولو من بعيد - واستسلم عقله للقناعة بأن سيارة الإسعاف لن تجازف بالدخول إلى تلك المنطقة .. فى ذلك الظلام الدامس ...

تسمر (صابر) مكانه ، وانهارت عيناه بدموع غزيرة ، فأمه تصرخ وتتوجع .. والإسعاف لن تأتى ، والجيران لا يملكون حلا ، وأقرب مستشفى على بعد كيلومترات ، ناهيك عن كونها مستشفى خاصة تعالج الحالات بآلاف الجنيهات ، وجيبه لا يملك قرشا واحدا ...

رجع بخفى حنين إلى عمارته ، وبدأ يصعد درجات السلم ، وتمنى ألا تنتهى تلك الدرجات ، أو يختفى السطح .. إلا أنه وصل .. ليجد أمه لا تزال تصرخ ، فصرخاتها تعلو أكثر وأكثر .. لتنهمر دموعه أكثر وأكثر ...

شعر (صابر) بأن الشمعة لن تستمر معه طويلا ، وأحس أنه ليس بيده سوى الدعاء ، فصار يدعو بإلحاح ، ويقول " يارب .. ريح أمى من اللى هى فيه " ...

وصار على هذا المنوال لساعات .. يهبط من العمارة .. وينطلق يمينا ويسارا حول جيرانه ، ويطير مرة أخرى إلى كشك السجائر ، ويحاول الإتصال بالإسعاف مجددا .. بعد أن سمح له صاحب الكشك بالإتصال مجانا ، سعيا نحو إنقاذ تلك الأم المسكينة .. فلا يجد استجابة منهم ، فيصعد مجددا إلى أمه .. لعلها ارتاحت قليلا .. إلا أنها لا تزال تصرخ .. فينزل ويصعد .. ويصعد وينزل .. حتى خارت قواه .. فلا طاقة له لمحاولة أخرى ...

كانت تلك هى المرة الأولى التى يشعر فيها (صابر) بأن الليل قد صار طويلا ، وكأن النهار لا يريد المجيء .. وهو جالس بجوار أمه ، تحيطه بركة من مياه صنعتها دموعه التى لا تتوقف ، والأم لا تزال على صراخها ، وإذا بلهيب الشمعة يلسع يده ، ليخبره بأنها قد انصهرت تماما ..

وجد (صابر) نفسه يدعو ربه : - يارب خدها .. يارب أمى تموت يمكن ترتاح ...

وبينما هو غارق فى دموعه .. إذا بعقله يرشده إلى حل .. وشعر فى قرارة نفسه بأنه "ليس هناك حل آخر."

فخلع قميصه ، وصار يخطو خطوات مترددة .. وأسنانه تتخبط ببعضها البعض ، ويداه ترتعش ... إلى أن وصل إلى أمه ، وعندها تضاعفت دموع عينيه – وكأنها لم تدمع قبلا – وقال لأمه : - سامحينى يا أمى .. ثم دفع قميصه بقوة إلى وجه أمه ....

... نعم ، إنه يحاول خنقها ، وظل يضغط بكل قوته .. حتى سكن جسد أمه ، وعم الهدوء أرجاء المكان بعد ساعات من الصراخ ... فتوقف (صابر) ، وتنهد من أعماقه ، قائلا "أخيرا ... ارتحت يا أمى"

وما هى إلا أيام قلائل .. حتى صار خبر ذلك الرجل على رأس أخبار صفحة الحوادث فى جريدة كبرى ، وبجانبها صفحة الرياضة التى تعلن عن نشوب خلاف بين أحد اللاعبين الكبار وإدارة ناديه ، بسبب تقليل راتبه إلى ثلاثة ملايين جنيه فقط ...

"عن أنس بن مالك – رضى الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ."