عمرو عبد العظيم يكتب: الجودة.. ثقافة مجتمع

عمرو عبد العظيم يكتب: الجودة.. ثقافة مجتمع الإثنين 04-03-2013 11:34 صورة أرشيفية

انظر للشارع من حولك، هل رأيت عامل النظافة وملابسه وطريقة عمله، هل رأيت فى يده قفازات أو فى قدمه حذاء مغلق، هل رأيت منظر الترعة فى بلدتك؟ كم مرة مررت عليها وكم مرة اشمئززت من منظر القمامة المتراكمة عليها؟ أم أن الأمر أصبح عاديًا؟ لاحظ أننى أتحدث عن عموم مصر وليست بعض المناطق الراقية، هل رأيت الموظف يجلس فى حجرة متهالكة وربما لا يجد مكتبًا، ثم يطلب منك إحضار أوراق فتحضرها له بعد عناء، ثم يطلب منك أوراق أخرى فى نفس اللحظة، فترد عليه: "طيب ليه ماقولتش من الأول ؟.

هل رأيت المستشفى الحكومى ومستوى النظافة فيه، ومدى اهتمام الأطباء بالمرضى؟ وطريقة جلوس المرضى فى الطرقات على الأرض دون أن يسأل فيهم أحد إلا بعد ساعات؟ هل أحضرت سباكًا إلى بيتك لإصلاح مواسير الصرف الصحى فى بيتك، ثم عرض عليك بالمرة كمان إصلاح الكهرباء فى بيتك، رغم أنه سباك، ويا ليته قام بعمله على الوجه الأكمل، بل غالبًا ستجد أنك تحتاجه بعد شهور قليلة لإصلاح نفس العطب فى المواسير.

سردت فى الأمثلة السابقة ما أقصده ببساطة، وهو غياب ثقافة الجودة عند المجتمع المصرى، إذن فالمشكلة مشكلة مجتمع.

ولكى أوضح مفهوم الجودة ثقافة مجتمع بصورة أقرب للعقل، أضرب لك مثالين حدثا معى شخصيًا، حيث قدر لى السفر إلى اليابان وزيارة أحد المصانع الكبرى لصناعة السيارات، فقد صدمنى ما رأيت وظهرت مقارنة فى رأسى بين ما رأيت وما هو موجود فى بلدى، رأيت أن نظام إدارة العمل فى المصنع لايسمح بغير الجودة فى العمل، مع سرعة الأداء، فالسيارة تمر أمامنا عبارة عن هيكل خارجى فقط فيقفز بداخلها عامل برشاقة متناهية، لتركيب كرسى السائق فقط فى أقل من دقيقة، ثم ينزل منها بسرعة ليقفز فى أخرى وهكذا بينما يقفز عامل آخر لتركيب الكرسى بجانب السائق، فقلت لليابانيين لماذا لم يقم العامل السابق بتركيب كرسى السائق والكرسى الذى بجانبه، فقالوا لى أن كل عامل له تخصصه الذى يتقنه إتقانًا شديدًا. هززت رأسى وسكتت.

وهكذا، يقفز عامل خلف الآخر، حتى ترى فى دقائق معدودة أن هيكل السيارة تحول إلى سيارة كاملة رائعة، فى صف سيارات أمامك لا ينتهى.

فسألت نفسى، هو مينفعش عامل يقعد يستريح على جنب كده يأكل سندوتش فول مع كوب من الشاى، مع كام ضحكة كده مع أصحابه فى المصنع كما يحدث فى بلادى، وكانت الإجابة "ماينفعش خالص بسبب نظام تصميم إدارة العمل، لا فرصة سوى للعمل ثم العمل".

أحكى لك الموقف الثانى

تقص لى إحدى المعلمات أنها سافرت منذ عدة سنوات مع زوجها إلى ألمانيا، وهناك وضعت مولودًا صغيرًا جميلًا، وكانت والدتها قد أعطت لها بعض الملابس الجديدة التى تخص المولود الجديد.

تقول لى المعلمة الزميلة أن المستشفى التى وضعت بها اتصلت بها لتخبرها أن لها زيارة شهرية منزلية، من طبيبة اسمها فلانة للاطمئنان على صحة المولود وتوقيع الكشف الطبى المجانى عليه، لأنه يتبع التأمين الصحى فى ألمانيا، رغم أن الطفل مصرى لم يأخذ الجنسية الألمانية. وبالفعل جاءت الطبيبة فى موعدها تماما، ووجدت أن الطفل يرتدى ملابس غريبة، فسألت الطبيبة من أين لك بتلك الملابس، فقالت لها أنها هدية من جدته فى مصر، فاتصلت الطبيبة بالمستشفى، وبعد دقائق حضرت سيارة بها ملابس ألمانية الصنع، وهنا قالت الطبيبة، من فضلك احضرى لى كل الملابس التى أتت من مصر، وقامت بكتابة محضر إعدام لهذه الملابس، لأنها تتنافى مع المعايير المحددة لملابس الأطفال فى ألمانيا، وأعطتها الملابس الألمانية لأنها تحافظ على نعومة البيبى.

وفى إحدى الزيارات، التى قامت بها الطبيبة الألمانية للمولود، أحضرت له لعبة صغيرة بسيطة، عبارة عن الشمس يدور حولها عدد من الكواكب الصغيرة، وعلقتها فى سرير المولود، وقالت للمعلمة إن هذا الطفل سيصبح بارعًا فى الجغرافيا، لأنه سيتعلم من هذه اللعبة، وستبقى صورة اللعبة فى العقل اللاواعى للطفل، حتى يكبر ويدرس سيسترجعها عقله بصورة تلقائية.

ثم عادت زميلتى بعد 4 سنوات إلى مصر، وبعد عدة شهور فوجئت باتصال تليفونى من السفارة الألمانية، يخبرها أن ابنها المولود فى ألمانيا من حقه أن يتم علاجه مجانًا فى أى مستشفى ألمانى فى مصر لأنه يتمتع بالتأمين الصحى الألمانى.

أود أن استدرك أننى أيضا أتمتع بالتأمين الصحى فى مصر.. ولن أبكى.. والسؤال الآن هل من الممكن عندما تصبح أنت وزيرًا للصحة أن يخطر فى بالك أن تفعل كما فعلت وزارة الصحة فى ألمانيا؟ لا تجيب أخى القارئ العزيز لأن الجودة ثقافة مجتمع لم نعيشه بعد.

ولكن ما علاقة هذا المقال بالتعليم؟ أجيب عليك فى المقال القادم بمشيئة الله.

مدير التعليم الثانوى

إدارة الدقى التعليمية