مقدمة فلسفية
إن كل أمة من أمم الأرض يحكمها نظام ولا تختلف الأنظمة البشرية عن أى نظام طبيعى خلقه الله إلا فيما ميز الله به الإنسان عن سائر الخلق ألا وهو العقل الذى ييسر للإنسان التفكير والتدبر وإدارة أمره بنفسه.
ومقومات أى نظام فى الكون ثابتة. فالنظام هو مجموعة من المكونات التى تسير فى تراتب موزون لا يتعارض مكون منها مع الآخر ولكن يكون تتابعها منظما ومتوازنا بحيث يضمن استمراريته. وقد تتصارع الأنظمة مع استمرارية نموها وتلاحمها بحيث يكون البقاء للأصلح. فلو افترضنا أن مجرتين اصطدمتا فمن المتوقع أن المجرة الأكبر والأقوى ستبتلع المجرة الأضعف فى جوفها وتتلاشى المجرة الضعيفة من الوجود. ولما كانت هذه سنة الله فى كونه وأن صراع كل شىء هو فى حقيقته من أجل البقاء وأن الإنسان جزء من نظام الله لا يفرقه عن غيره إلا العقل، فمن الطبيعى أن الإنسان بدون العقل كان سيسير بالفطرة التى فطر الله عليها كل خلقه. ولكن الله ميز الإنسان بالعقل لرسالة أساسية أولية وهى عبادته والرسالة الثانية إدارة ما يستطيع الإنسان السيطرة عليه من كون الله باختياره. وسخر الله للإنسان كل مقومات حياته على الأرض بما يتمشى مع طبيعة خلقته فسخر له الشمس والقمر والليل والنهار وجاذبية الأرض وكثير من المقومات التى تضمن له الاستمرارية على الأرض.
ولما كانت سنة الله فى خلقه أن تتفرق مخلوقاته إلى أمم يحكمها نظام محدد، فالمجرة نظام يحكمه قانون وتوزعت المجرات فى الكون مثل الأمم، وكذلك مجموعتنا الشمسية هى أمة من ملايين الأمم من المجموعات الشمسية وهكذا الكون كله.
وإذا نزلنا إلى الأرض والتى جعلها الله بقدرته مسرحا للحياة، فإن كل الكائنات الحية هى أمم أمثالنا تتفرق على الأرض. ولكل جنس من أجناس الكائنات سماته العامة التى تميزه. ولكن هل يعيش أى جنس حى فى نسيج واحد وعلى صعيد واحد فوق الأرض؟
الإجابة بالطبع لا... فكل كائنات النوع الواحد تتفرق فى الأرض بحثا عن وطن لها وتتفاعل مع أوطانها مؤثرة فى الوطن ومتأثرة به فيكتسب كل منها خصائص من صنع الآخر. فينتج عن هذا التفاعل توازنا فطريا تحكمه قوانين نابعة من خصائص الكائنات ووطنها مكونة ما يسمى بالنظام البيئى. فإذا اختل هذا النظام انهدم وحل محله نظاما آخر ناتج عن احتلال كائنات أخرى تتلاءم طبيعتها مع الظروف التى خلفها النظام السابق. وهكذا تتتابع وتيرة الحياة فى كل الأنظمة الفطرية على الأرض، وتكون أعمارها مرتبطة بقوانين ملزمة تكون نابعة منها لا من غيرها وأن يكون هناك توازن يحافظ على استمرارية النظام إلى ما شاء الله. ولو افترضنا للتوضيح أن هناك نظاما يتكون من حشائش وأرانب ونمور وكلها كائنات حية تعتمد على الوطن، وهو الأرض التى تعيش عليها هذه الكائنات، فإن حماية الأرانب من النمور قد يزيل النباتات من النظام البيئى لكثرة التهام الأرانب لها بسبب تزايدها المستمر وبطبيعة الحال تموت النمور جوعا. ولو تركنا النمور تأكل الأرانب تختفى الأرانب من النظام مع مرور الوقت ولا يبقى إلا النبات فترحل النمور إلى مكان آخر وتكبر النباتات وتموت وتغطى الأرض بالكلأ فتمنع نمو بذور نباتات جديدة وتكون النتيجة الحتمية تلاشى النظام أو على الأقل تغيره إلى نظام آخر. فتسليح الأرانب بحوافر لتحفر جحورا تختبئ بها وتقريب فترات توالدها هو بمثابة قانون إلهى لحماية الأرانب. ولكن تحايل النمور يمكنها من افتراس الأرانب غير اليقظة وذلك يمثل حماية للنبات من الأرانب. وهكذا يتوازن ذلك النظام الذى يعتمد كل مكون منه على الآخر ويسلح كل مكون منهم بالخصائص التى تضمن له البقاء. ومن ذلك المثل نستخلص أن النظم إن لم يحكمها قانون واضح ويكون فيها توازن يضمن بقاءها قوية متجددة تتلاشى وتكون معرضة لهجوم من أنظمة أخرى قد تفنيها وتحل محلها. إن هذا القانون الإلهى الذى يحكم الكائنات الحية غير العاقلة هو نفسه الذى يحكم الإنسان أيضا مع اختلافات جوهرية أولها أن الكائنات الحية تطوع نفسها للظروف، أما الأمم الإنسانية فتطوع الظروف لنفسها لما حباها الله به من عقل. ولكن لابد من طرح سؤال مهم وفى غاية الأهمية وهو هل الإنسان خالق أم مقلد؟ !!!!!
قد يكون السؤال عجيبا ولكن إجابته ستزيل التعجب فحقيقة الأمر أن الإنسان أكبر قدراته أن يحاكى خلق الله أو يقلدها ولكن بشىء من التطوير. لقد ضرب الله للإنسان مثلا استشهد به وهو عملية دفن الميت التى تعلمها قابيل من الغراب ولولا الطيور ما فكر الإنسان فى الطائرة ولولا الشمس ما عرفنا النور ولولا البرق والرعد ما عرفنا الكهرباء ولا النار ولولا الأحجار ما عرف الإنسان كيف يشعل النار. إن إعمال الانسان لعقله هو وسيلة اكتشافه لحقائق أوجدها الله له ليستعملها ليحقق أهدافه ويستعمر الأرض. ومما سبق يتضح أن أنظمة الله لها قانون يحكمها وهو أول أبواب العلم للإنسان أن يدرسها ويتدبر حياتها ويقلدها ويطور القوانين التى تعلمها أصلا من كائنات فطرية سخرها الله لتعلمه كيف يعمر الأرض. ومن ثم بدأت المجتمعات الإنسانية فى التعلم والبحث على هذه الأسس الثابتة والتى نضعها فى النقاط التالية
•تأمل أنظمة الله وفهم آليات عملها والعوامل التى تؤثر عليها.
•محاكاة تلك الأنظمة سواء بتطبيق قوانينها والتعديل منها بما يساير الطبيعة البشرية.
•محاكاة مكونات النظم البيئية بمكونات صناعية تؤدى وظائف المكونات الطبيعية بصورة أسرع.
•تطويع مكونات النظام لضمان نظام قوى متماسك يستطيع المنافسة والبقاء على الأرض.
•فرض إرادة النظام القوى بنموه المستمر ولو استعمر الأرض كلها لصالحه.
إن الأسس الخمسة فى هذه المقدمة أصل حياة الإنسان على الأرض فبدونها ما كانت الأرض تغيرت ولا طبيعة الإنسان تغيرت ولما وصلنا إلى ما نحن عليه من تكنولوجيا ولكانت الصراعات بين أجناس البشر فطرية كما فى الحيوان وفى النهاية يكون قانون الله باقيا وهو البقاء للأقوى والأصلح ولذلك لهث الإنسان وراء القوة إلى أن وصل إلى أسلحة الدمار الشامل وقوة أى أمة تنبع أولا من قوة الفرد ولذلك فإن الأمم المتقدمة على الأرض هى الأكثر اهتماما بمواطنيها.
لقد أخذت الأمم بمقومات الحياة بتأمل خلق الله ومحاكاته والاستفادة من قوانينه وتطويرها وتسخير موارد الحياة من أجل البقاء وفرض السيطرة على الأرض. وقد نجحت الدولة الإسلامية فى بداياتها فى فرض سيطرتها وهدم امبراطوريات مثل الروم والفرس واحتلت بريطانيا وفرنسا العالم بعد ضعف دولة الإسلام وتفرض الأن الولايات المتحدة والدول الكبرى سطوتها على العالم فهل كان هؤلاء يملكون مقومات السيطرة بدون العلم؟.... بالطبع الإجابة بالنفى فبغير العلم لا ترقى ولا تقوى الأمم.
فأين مصر من هذه المنظومة؟ هذا ما ستوضحه المقالات القادمة
د محمد كامل أحمد
جامعة جنوب الوادى